يحيي بن حمزة العلوي اليمني
44
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
بينهما ، وذلك يستدعى أمورا ثلاثة ، وضعه الأصلي ، ثم نقله إلى الفرع ، ثم العلاقة التي بينهما ، وأمّا الحقيقة فإنه يكفى فيها أمر واحد ، وهو وضعها الأصليّ . والمعلوم أن كل ما كان توقّفه على شيء واحد فهو سابق على ما يكون توقّفه على ذلك الشئ مع أمرين آخرين . وثالثها : أنه لو لم يكن الأصل في الكلام هو الحقيقة لكان الأصل لا تخلو حاله إمّا أن يكون هو المجاز ، ولا قائل به ، فيجب القضاء بفساده ، أو لا يكون واحد منهما هو الأصل ، وهو باطل أيضا لأنه يلزم منه أن يكون كلام الشارع مترددا بين الحقيقة والمجاز ، فيكون مجملا لا يمكن فهم المراد من ظاهر خطاباته وخلاف ذلك معلوم فلا حاجة إلى إبطاله . ولما كان ذلك فاسدا علمنا أن الأصل في الكلام هو الحقيقة ، ويؤيّد ما ذكرناه ما روى عن ابن عباس أنه قال : ما كنت أدرى ما الفاطرة حتى اختصم إلى رجلان في بئر ، فقال أحدهما : فطرها أبى ، أي اخترعها . وحكى عن الأصمعي أنه قال : ما كنت أعرف الدّهاق حتى سمعت جارية بدويّة تقول : أسقى دهاقا أي ملانا . فلولا أن السابق من الإطلاق في الكلام هو الحقيقة ، لما فهموا تلك المعاني ، لجواز أن تكون مستعملة في غيرها على جهة المجاز ، أو تكون مترددة بين الحقيقة والمجاز . الحكم الثاني اعلم أن الحقيقة إذا كانت هي الأصل في الكلام كما ذكرتم ، فلأىّ شيء يكون التكلم بالمجاز ، وما الباعث عليه فنقول : العدول عن الحقيقة إلى المجاز قد يكون لأمر يرجع إلى اللفظ وحده ، وإلى المعنى وحده ، وإليها جميعا ، فهذه مقاصد ثلاثة : المقصد الأول ما يرجع إلى اللفظ على الخصوص وذلك من أوجه ؛ أما أولا : فلما يرجع إلى جوهر اللفظ بأن يكون اللفظ الدالّ على المجاز أخفّ من الحقيقة على اللسان ، إما لخفّة مفرداته أو لحسن تعديل تركيبه ، أو لخفّة وزنها ، أو لسلاسته ، أو لغير ذلك من الأمور التي تقتضى السهولة فيعدل إلى المجاز لما ذكرناه . وأما ثانيا : فلأن اللفظة المجازيّة ربما كانت صالحة للقافية إذا كان الكلام شعرا منظوما ، أو لأجل التشاكل في السجع إذا كان الكلام منثورا ، والحقيقة غير صالحة في ذلك ، أو لأجل أن الكلمة المجازيّة مألوفة الاستعمال ، والحقيقة غريبة وحشيّة ، فتكون المجازية أخفّ لما يحصل من الأنس المألوف ما ليس يحصل في غيره .